الشيخ محمد جميل حمود
477
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
نبحث في المعاد الجسماني عبر نقاط بإيجاز : النقطة الأولى : إننا ذكرنا في بحث سابق : أن الإنسان مركّب من روح وبدن ، وقد أوردنا هناك بعض الأدلة على بقاء الروح . ونزيده هنا توضيحا فنقول : إنّ الباحثين والفلاسفة سواء من الشيعة والسنّة أم غيرهم من المليين لهم نظريات متفاوتة في حقيقة الروح ، والروح والبدن - بنظر الإسلام - هما حقيقتان متضادتان ، ليس أحدهما من سنخ الآخر ، فالبدن يختلف تماما عن الروح بكل تفاصيلها ، حيث يفقد خواص الحياتية بالموت ويضمحل بصورة تدريجية ، وهذا بعكس الروح ، فإنّ الحياة أصالة للروح ، وما دامت في الجسم فإنه يستمد حياته منها ، وعندما تفارق الروح البدن وتقطع علاقتها به لا يقوى البدن على القيام بأي عمل إلّا أن الروح تستمر في حياتها . ومن خلال التدبّر في آيات الكتاب وأخبار أهل بيت العصمة عليهم السّلام يستنبط أنّ الروح الإنسانية - كما قررته أدلّة العقل أيضا - غير مادية ، ولكنّها تنشئ نوعا من العلاقة والوحدة مع الجسم كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 13 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 14 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون / 13 - 15 ) . يتضح من سياق الآيات وجود شيئين متمايزين : أحدهما : يتصف بالخلقة المادية بشكلها التدريجي . وثانيهما : يتصف بخلقة أخرى يختلف تماما عن الخلقة الأولى ، ليست سوى أمر روحي ذي شعور وإرادة وإدراك . وفي آية أخرى : قال تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( السجدة / 12 ) . فهي في معرض الردّ على من استبعد المعاد أو أنكره فجاءهم الجواب أن ملك الموت يقبض الأرواح من الأبدان وتحفظ عنده تعالى .